فخر الدين الرازي

107

شرح عيون الحكمة

المسألة الثانية : الجوهر . هو الموجود لا في موضوع . وقد عرفت تفسير الموضوع . وقوله : « مثل انسان وخشبة » فهذا مثال ذكره للجوهر ، وانما قال : « مثل انسان وخشبة » ولم يقل مثل الانسان والخشبة . لأن قولنا انسان ، المراد منه : انسان معين في نفسه ، غير مبين المعين بحسب اللفظ . فإنك إذا قلت : رأيت انسانا واشتريت خشبة ، لم ترد به الا ما ذكرنا . وأما قولنا : الانسان والخشبة فهو لفظ دال على ماهيته الكلية . فقولنا : انسان وخشبة إشارة إلى جوهر جزئي ، وقولنا : الانسان والخشبة ، إشارة إلى جوهر كلى . وقد ثبت أن الجزئي أولى بالجوهرية من الكلى . فلهذا السبب أورد المثال من الجزئي ، لكونه أقوى وأكمل في طبيعة الجوهرية . * * * قال الشيخ : « واما أن يدل على كمية وهو ما لذاته يحتمل المساواة بالتطبيق أو التفاوت فيه . إما تطبيقا متصلا في الوهم كالخط والسطح والعمق والزمان ، واما منفصلا كالعدد » . التفسير : لفظ الكتاب يدل على أنه عرف الكمية بأنها التي تقبل المساواة والمفاوتة ، بسبب التطبيق . ولقائل أن يقول : هذا التعريف خطأ فان المساواة لا يمكن تعريفها الا بأنها اتحاد في الكمية . والدليل عليه : أن الاتحاد أن وقع في الكمية سمى بالمساواة ، وان وقع في الكيفية سمى بالمشابهة ، وان وقع في الوضع سمى بالموازاة ، وان وقع بالماهية سمى بالمماثلة . فثبت : أن المساواة لا يمكن تعريفها الا بأنها اتحاد في الكمية . والاتحاد في الكمية لا يمكن تعريفه الا بالكمية . فلو عرفنا المساواة بالكمية ، والكمية بالمساواة ، لوقع الدور . وانه باطل . وأما التطبيق فهو عبارة عن وضع أحد المقدارين على الآخر ، بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص عنه . وعلى هذا فإنه لا يمكن تعريف التطبيق الا بالمقدار ، فلو عرفنا المقدار به لزم الدور .